عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
465
معارج التفكر ودقائق التدبر
إنّ انشغال أفكارهم بما هو مضادّ أو مناقض لدعوة الحقّ الرّبّانيّة ، يجعل آذانهم لا تسمع الكلام المتضمّن شيئا من دعوة الحقّ الرّبّانية ، حتّى كأنّها صمّاء أو مصابة بما هو قريب من الصّمم . المقولة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى : وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ : أي : والأرض الفاصلة بيننا وبينك قد قام فيها حجاب يحجبنا عنك ، فنحن لا نراك ولا نشعر بوجودك في مجتمعنا . وهذا منهم إمعان في الغلوّ الّذي يعبّرون فيه عن رفض دعوته رفضا كلّيّا ، فلا المعاني الّتي تدلّ عليها تلاواته وبياناته تصل إلى مراكز الإدراك والتفكير في عقولهم ، ولا الأصوات المشتملة على أقواله في دعوته تمرّ من آذانهم ، إلى مراكز السّمع في أدمغتهم ، ولا المسافة الأرضيّة الفاصلة بينهم وبينه تمكّنهم من مشاهدته ، ومن الشّعور بوجوده ، لوجود حجاب معنويّ قائم فيها يحجبه عنهم . ولا يخفى ما في هذه التّعبيرات من الغلوّ الدّالّ على شدّة رفضهم لدعوته ، وسماع أقواله ، وحضورهم المكان الّذي يكون هو فيه لئلّا يشاهدوا شخصه . هذا هو الموقف الّذي وصل إليه أئمّة الكفر والشّرك في مكّة قبيل نزول هذه السورة . المقولة الرّابعة : دلّ عليها قول اللّه تعالى حكاية لقولهم : فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ : إنّهم بهذه المقولة يتحدّون الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم باستعلاء واستكبار ، أن يعمل ما يستطيع عمله لدفع كيدهم ومقاومتهم لدعوته ، فإنّهم سيعملون بكلّ قوّاتهم لإيقاف دعوته ، ومنع انتشارها ، ولاضطهاد الّذين يؤمنون به ويتّبعونه ، وللتخلّص منه بوسيلة من الوسائل .